السيد محمد تقي المدرسي

46

القيادة السياسية في المجتمع الإسلامي

فالمتقون فيها هم أهل الفضائل . منطقهم الصواب ، وملبسهم ، الاقتصاد ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نُزلت في الرخاء . ولولا الاجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها . وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم تالين لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا . يُحَزِّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنوا أنها نصب أعينهم . وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم ، وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء . قد براهم الخوف بري القداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ويقول قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم . لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متهمون . ومن أعمالهم مشفقون . إذا زُكِّي أحدهم خاف مما يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسي من غيري ، وربي أعلم بي من نفسي . اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني أفضل مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين . وحرصا في علم ، وعلما في حلم ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ،